الشيخ عباس آل سباع
مرات العرض: «609» حفظ الصورة تكبير الصورة
حجة الإسلام والمسلمين العلامة الجليل الشيخ عبّاس آل سباع القطيفي رحمه الله

ولد الشيخ عباس بن الحاج محمد آل سباع في منطقة الربيعية من جزيرة تاروت سنة 1381هـ، ونشأ فيها وسط أسرة مؤمنة ومجتمع متدين، فصار محباً للعلم وأهله.

وفي سنة 1400هـ هاجر إلى قم المقدسة ودرس شطراً من المقدمات على يد جمع من فضلاء الحوزة العلمية فيها، وفي سنة 1402 رجع إلى القطيف لبعض الظروف وواصل دراسته الحوزوية فيها وفي الأحساء حتى مرحلة السطوح العليا.

من أساتذته في المقدمات والسطوح:
الشيخ حسين العمران دامت بركاته، الشيخ عبد الرسول البيابي، الشيخ محسن المعلم، الشيخ علي الزوّاد، الشيخ محمد علي البيابي.

ومن أساتذته في السطوح العليا:
الشيخ علي الدهنين، الشيخ عباس العنكي، السيد منير الخبّاز.

ثم كانت هجرته الثانية إلى قم المقدسة فحضر لدى جملة من أعلامها، وأبرز من حضر لديهم:

1-المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الكوكبي التبريزي قدس سره.

2-المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي قدس سره.

3-المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله الشريف، ولازم درسه ومجلسه قرابة 15 سنة حتى غدا من مبرزي تلامذته والمعتمدين لديه.

يقول زميله وصديقه سماحة العلامة الشيخ نزار سنبل متحدثاً عن هذه الفترة ضمن بيانه التأبيني: (جمعتنا حلقة سماحة شيخنا الأستاذ المرجع الكبير الشيخ الوحيد الخراساني حفظه الله سنين متطاولة، وكنا في تلك السنين التي تقترب من خمس عشرة سنة نتباحث معاً ونذهب للدرس معاً، ولقد شهدت حلقات المباحثة في منزلنا في قم المقدسة، وفي مدرسة باقر العلوم التابعة لسماحة الشيخ الأستاذ رعاه الله، ومن خلال شبكة الانترنت حينما افترقنا عن قم المقدسة، مطارحات فكرية ومداخلات بحثية وصراعات نقدية مع ثلة من فضلاء الحوزة العلمية فكان فيها فضيلة الشيخ عباس مثال طالب العلم الحقيقي مثابرةً وجداً واجتهاداً، ومطالعة ومتابعة وكتابة، وخير مصداق لقول أمير المؤمنين عليه السلام: "منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال" حتى أصبح فيما بعد ممن يشار إليه بالبنان علماً وتقوى وورعاً).

تدريسه وتلامذته:
اشتغل الشيخ الراحل بالتدريس وأولاه عناية كبيرة، وكان في بعض الفترات يدرّس طوال أيام الأسبوع، وكان درسه مقصداً للطلاب المشتغلين، وكان متواضعاً للعلم وأهله (فكانت هذه سمة رائعة في مسيرته، فهو في الوقت الذي كان فيه يدرّس البحث الخارج – وهو أعلى مرحلة دراسية في الحوزة العلمية – في سنيه الأخيرة، كان لا يترفع عن تدريس مناهج السطح العالي، بل كان لا يستنكف حتى عن تدريس مناهج السطح الأول ما دام يجد في وقته فسحة ومجالاً للعطاء، وقد ضرب بذلك مثالاً رائعاً للاشتغال الدائم بالعلم والتواضع له) .

وكان قدس سره لا يقتصر على مجرد التدريس بل كان مهتماً بتربية طلابه وتلامذته تربية علمية، فكان يقوم (بمذاكرة العلم مع طلبته، والتي تتسبب في تمرينهم على تطبيق الكليات التي دروسها وتعلموها على بعض صغرياتها، وكان يصغي باهتمام لإجابات طلابه، فيخطّئ تارة ويصوّب أخرى، وما كان يتحرج من إبداء قناعته بإجابة يجيبها أحد طلبته، فيما لو كانت إجابته صائبة، مهما كان مستوى هذا الطالب .

وكان يتابع الأنشطة العلمية لطلبته وينزعج إذا اطلع على تعرقل مسيرة تحصيل أحدهم، ولا يتأخر عن مساعدته وتشجيعه، كما كان يوجه مَن يشعر بجديته واهتمامه للمباحثة مع من يراه كفؤاً من طلبته الآخرين، وإذا سمع بكتابةٍ لأحدهم كان يبدي رغبته في الاطلاع عليها، ويشجعه ويدفعه نحو المزيد، بل كان يتابع حتى نشاطهم التبليغي، دافعاً لهم نحو المزيد من العطاء والتقدم).

وممن استفاد من محضره:

الشيخ نادر الصادق، الشيخ عبد العزيز السليم، السيد ضياء الخبّاز، الشيخ علي العباس، الشيخ صادق الستري، الشيخ علي طريش، الشيخ محمد نويس، الشيخ مرتضى البيابي، السيد ناصر الخضراوي، الشيخ علي القصير، السيد أنور الخضراوي، السيد حسن الخضراوي، السيد صالح الخضراوي، السيد محمد القصاب، الشيخ محمد علي العريبي، الشيخ عبدالله الستري، الشيخ محمد المشيقري، الشيخ هاني الصنابير، الشيخ حسن الجنبي، السيد محسن القلاف.

من مؤلفاته وأعماله المطبوعة:
-تحقيق حاشية السيد الفقيه اليزدي على المكاسب في 3 مجلدات.
-تحقيق حاشية المحقق الأصفهاني على المكاسب في 5 مجلدات.
-تحقيق وتعليق على رسالة أخذ الأجرة على الواجبات للشيخ الأصفهاني.
-الصحابة في الميزان، مجلد كبير.
-رسالة في خلل الصلاة من العروة الوثقى.

وكان رحمه الله قد شرع في تحقيق كتاب الصلاة للمحقق الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي قدس سره كما سمعت منه قبل أيام من وفاته في الحج، وقال: إنه كتاب ينبغي تحقيقه.

رحلاته التبليغية:

كان الشيخ رحمه الله يعتقد بضرورة الاهتمام بضعفاء الشيعة الذين لا كافل لهم في مختلف مناطق العالم، ويقول: إنَّ بلدنا لكثرة الطلبة فيها لا تحتاج إلينا بمقدار ما تحتاج إلينا البلدان الأخرى التي يعيش فيها ضعفاء الشيعة من غير مرشد يرشدهم.
ولم يكتف رحمه الله بالقول بل أشفعه بالعمل فطبّق ما كان يعتقده، وقام رحمه الله بعدة رحلات تبليغية لنشر معالم الدين وإرشاد المؤمنين وهداية المسلمين، فكانت مصر وتونس والمغرب من محطاته التبليغية، ثم استقر به المقام لسنوات في مدينة جدة إماماً ومرشداً ومحاضراً ومربياً.

ثم بعد ذلك رجع إلى وطنه فاستقبلته الحوزات العلمية فيها فكان من أبرز أساتذتها وداعماً للحركة العلمية فيها، كما أنه عكف على إرشاد المؤمنين والقيام بشؤونهم من خلال إقامة الجماعة مسجد الحاج سعيد المحروس، وإلقاء المحاضرات العقائدية والفقهية فيه وفي بعض الحسينيات في المنطقة.

صفاته وأخلاقه:
عُرف الفقيد بالأخلاق الحسنة والتواضع وصفاء النفس ونقاء السريرة وسلّم له الكل بمختلف مشاربهم بهذه الصفات الرائعة.

يقول العلامة آل سنبل: (كان معقد الآمال ومحط الأنظار؛ لما تمتع به من العلم، وارتداه من لباس التقوى، واحتضنه من العقيدة الصحيحة الراسخة، وقلما تجتمع هذه الأمور في زمان كثر فيه المدعون.
ولقد رأيت منه رحمه الله فيما رأيت تهجده في الأسحار والناس نيام فكان يقوم في غسق الليل راكعاً وساجداً يعبد الله تعالى حتى ينشق لسان الصباح بنطق تبلجه، ولقد كان يحب طلاب العلم المحصلين ويطمح في تربيتهم ويخلص في تزكيتهم، كما كان مخلصاً في أعماله الأخرى فلم يزاحم أحداً على جاه ولا سمعة، وكان سليم الباطن طاهر السريرة فلم يحمل ضغينة على أحد ولم يسع للشهرة ولم يركب محرماً لها، عرفناه رجلاً مغموراً وعرفناه وهو ثقة الشيخ الوحيد ومعتمده في العظائم والمهمات فما رأينا نفسه عظمت عنده شعرة ولا ترفّع على الناس ذرة، عاشرناه زهاء عشرين سنة فلم نر منه إلا خيراً وصاحبناه في السراء والضراء وفي الحضر والسفر فما رأينا منه إلا جميلاً).

رحيله:

في سنة 1433 هـ أدّى سماحته الحج، وفاضت روحه الطاهرة إلى بارئها في اليوم الثاني عشر قبيل النفرة، وغادر هذه الدنيا نقياً طاهراً في بقاع طاهرة ودُفن في مقبرة المعلى جوار سيد قريش أبي طالب وأم المؤمنين خديجة عليهما السلام.

وكان خبر وفاته مفاجئاً ووقع كالصاعقة على قلوب العلماء والفضلاء والمؤمنين، فأبّنه العلماء والفضلاء من زملائه وتلامذته، وقد تأثر أستاذه الشيخ الوحيد الخراساني تأثراً بالغاً لرحيله، وقد أُلقيت كلمة لسماحة الشيخ دام ظله في مجلس الدرس تأبيناً للفقيد الراحل ولم يعهد أن سماحته أبّن أحداً من تلامذته علناً، وترجمة التأبين هي التالي:

(بسم الله الرحمن الرحيم، إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).
لقد فارقنا ببالغ الحزن والأسى الفاضل العلامة الحجة الشيخ عباس آل سباع رحمه الله تعالى، وكان ذلك في مكة المكرمة قبل فراغه من أعمال منى، وقد شارك في سنين متمادية في بحثي الفقه والأصول ونال مقامات عالية من عالم العلم والتحقيق).

رحم الله من يقرأ له سورة الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إعداد: محمد جعفر الزاكي، وقد استفدت واعتمدت على المنشورات التي نشرت حول حياة سماحته، واقتبست مما كتبه سماحة العلامة السيد ضياء الخبّاز بعنوان: (صور من حياة أستاذ) وقد جعلناه بين قوسين بتصرّف بسيط في بعضه.
السيد محمد باقر الشخص