ولادة أمير المؤمنين (ع) في جوف الكعبة

سماحة الشيخ علي آل محسن مسجد إبراهيم الخليل ـ حي النور ـ سيهات (محافظة القطيف)

 

ç قال السيد الحميري رحمه الله:

ولــــدتْهُ في حَـرَمِ الإلهِ وأمنِــــه        والبيتِ حيث فناؤه والمسجدُ

بــيـضـاءُ طـــاهرةُ الثيابِ كريمةٌ        طابتْ وطابَ وليدُها والمولــدُ

 في ليلةٍ غابتْ نحوسُ نجومـِهــا        وبدتْ مع القمرِ المنيرِ الأسعدُ

 مـــا لُفَّ في خِرَقِ القوابلِ مثـلُه        إلا ابـــنُ آمنــةَ النبيُّ محـــمدُ

 

هذه الأبيات تبين فضيلة لأمير المؤمنين لم يشاركه فيها غيره من الناس، وهي ولادته سلام الله عليه في جوف الكعبة.

فقد روى شيخنا الصدوق قدس سره في الأمالي ص 194 بسنده عن عن سعيد بن جبير، قال: قال يزيد بن قعنب: كنت جالسا مع العباس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزى بإزاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين ، وكانت حاملة به لتسعة أشهر وقد أخذها الطلق، فقالت: رب إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل ، وإنه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت، وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي. قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره، ودخلت فاطمة فيه، وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمر من أمر الله عز وجل، ثم خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين ، ثم قالت: .... وإني دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأرزاقها، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة، سميه عليًّا، فهو علي، والله العلي الأعلى يقول: إني شققت اسمه من اسمي، وأدبته بأدبي، ووقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي، ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه.

وهذه الفضيلة متواترة عند الشيعة وأهل السنة.

قال الحاكم النيسابوري في المستدرك 3/483: وقد تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة .

 

ç  وكلمات علماء الشيعة في ذلك متضافرة، منها:

¡  ما قاله الشيخ المفيد في الإرشاد، ص 9، قال: ولد بمكة في البيت الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله تعالى سواه، إكراماً من الله تعالى له بذلك، وإجلالاً لمحله في التعظيم.

¡  وقال الطبرسي في إعلام الورى، ص 159: ولد بمكة في البيت الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصم رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة ، ولم يولد قط في بيت الله تعالى مولود سواه لا قبله ولا بعده، وهذه فضيلة خصه الله تعالى بها إجلالاً لمحله ومنزلته، وإعلاء لرتبته.

 

ç دلالة ولادة أمير المؤمنين في جوف الكعبة:

¡ لا شك في أن ولادة أمير المؤمنين في جوف الكعبة فيها دلالة واضحة على أنه ولد مؤمناً ، لأنه لو كان كافراً، وأنه أسلم بعد ذلك لما جعل الله ولادة كافر نجس في جوف بيته الذي هو أطهر بقاع الأرض، ولا سيما أن الله تعالى نهى عن أن يدخل المشركون المسجد الحرام فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) [التوبة: 28]. 

 

¡ أن هذه الفضيلة تدل على أفضلية أمير المؤمنين على غيره من الخلفاء الذين لم تثبت لهم مثل هذه الفضيلة وغيرها.

 

¡ أن ولادة أمير المؤمنين في جوف الكعبة من دون غيره من الناس فيه إشارة واضحة على أن الله سبحانه وتعالى قد ادخر هذا المولود إلى مهمة عظيمة، وجعل له شأناً لم يجعله لغيره من الناس الذين ادعيت لهم الأفضلية عليه، لئلا يقول قائل: إن فلانا أفضل من أمير المؤمنين عليه السلام؟ 

 

ولأجل دلالة هذا الفضيلة على كل ذلك أنكر هذه الفضيلة كثير من الناس مع تصريح الحاكم بأن ولادة أمير المؤمنين في الكعبة متواترة، بل زعموا أن الذي ولد في جوف الكعبة هو حَكيم بن حِزَام.

فقد قال مسلم في صحيحه 3/1164 من دون إسناد: ولد حَكيم بن حِزام في جوف الكعبة، وعاش مائة وعشرين سنة.

والظاهر أن القوم اختلقوا ولادة حَكيم بن حِزام من أجل أن يتسنى لهم إنكار فضيلة أمير المؤمنين ، أو زعم أن عليًّا لم يتفرد بهذه الفضيلة، فقد شاركه فيها رجل لا شأن له في الإسلام، فلا دلالة فيها على فضل على من سواه.

 

ç ويدل على أن هذه الفضيلة مختلقة لحكيم عدة أدلة:

 

¡ أن هذه الرواية رواها الحاكم في المستدرك  عن مصعب الزبيري، وحكى ابن حجر في الإصابة 2/98 ولادة حكيم في الكعبة إلى الزبير بن بكار، والملاحظ أن حكيم بن حزام كان متزوجاً من أخت الزبير بن العوام وهي زينب بنت العوام، وابنه عبد الله بن حكيم قتل مع عائشة يوم الجمل وكان صاحب لواء طلحة والزبير (أسد الغابة 3/216).

 

¡ أن حكيم كان ممن شهد بدراً مع الكفار، وكان من المؤلفة قلوبهم كما ذكر ابن حجر في الإصابة 2/98 وغيره، وأنه أسلم عام الفتح، فلماذا يخصه الله تعالى بمثل هذه الكرامة، فهل يمكن أن تكون هذه الفضيلة لرجل لا فضل له، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، ولا فضل لأمه؟ بخلاف أمير المؤمنين الذي كان له شأن عظيم في الإسلام، وطهر الكعبة من أوثان الجاهلية وأصنامهم.

 

¡ أن الحاكم روى أن أم حكيم ضربها المخاض وهي في جوف الكعبة، فولدت فيها، فحملت في نطع، وغسل ما كان تحتها من الثياب عند حوض زمزم، فإن ولادة حكيم بهذا النحو تسببت في تنجيس المسجد الحرام بدم النفاس، بخلاف مولد أمير المؤمنين فإن الروايات كلها لم تنقل أن الكعبة أصيبت بدم نفاس.

 

ç شبهة وجوابها:

قد يقال: إن أمير المؤمنين عند ولادته لم يكن له أي شأن حتى يكرمه الله تعالى بالولادة في بيته، وعليه فلا معنى لتكريم من لا يستحق، لأن الاستحقاق إنما هو بالعمل ليس غير.

 

       والجواب عن ذلك:

 

¡ أن أمير المؤمنين وإن لم يكن له شأن عند الناس في ذلك الوقت، إلا أن شأنه عند الله عظيم منذ ولادته، فلهذا استحق التكريم حتى في ساعة الولادة.

 

¡ أن استحقاق الثواب إنما يكون بالعمل، ولكن التكريم والإجلال لا يقبح أن يكون قبل العمل، ولا سيما إذا كان العمل مقطوعا بوقوعه، ولهذا أكرم الله تعالى نبيه عيسى بن مريم منذ أول ولادته بعدة كرامات، مع أن عيسى لم يصدر منه أي عمل في ذلك الحين.

 

¡ أن الداعي لولادة أمير المؤمنين في الكعبة لعله شيء آخر غير التكريم، وهو بيان علو شأن أمير المؤمنين وأفضليته على غيره ممن ستدعى لهم الأفضلية عليه بعد ذلك، ولهذا كان لأمير المؤمنين شأن عظيم في الإسلام، وفي إعلاء رايته، وكان له الدور الأكبر في تحطيم الأصنام من فوق ظهر الكعبة وتطهيرها من الأوثان وآثار الجاهلية.

 

لاستماع المحاضرة : 

 

https://www.youtube.com/watch?v=_anddi3TD6U