الشيخ الفياض كما عرفته

 

كان أول لقائي بأستاذي العظيم المرجع الكبير آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض دام ظله الشريف في المدينة المنورة في سنة 1406هـ، حيث كنت أتردّد من حين لآخر على بعثة مرجع الطائفة المحقّق العظيم السيد أبي القاسم الخوئي قدّس سرّه الشريف، التي كان شيخنا الفياض دام ظله واحداً من  أفرادها.

كنت أتردد على البعثة لأجل الاستفسار عن بعض المسائل التي كان الحجاج يسألونيها، ولا أجد لها جواباً واضحاً، لا في مناسك الحج، ولا في استفتاءات الحج التي كانت بيدي، فإنه معلوم عند الجميع أن الشيخ الفياض كان من أكثر الملازمين لأستاذه السيد الخوئي، والعارفين بمبانيه وفتاواه، فقد حضر البحث الخارج عنده أكثر من عشرين عاماً، ولازم جلسة الاستفتاء أكثر من 25 سنة إلى وفاة السيد قدّس سرّه.

ولهذا كنت أقصده بخصوصه لسؤاله عما أريد معرفته من مسائل الحج، فأجد عنده بغيتي، وأصل إلى مرادي، وكنت أشعر أني لا أقع في أي حيرة في أي مسألة من مسائل الحج ما دمت قادراً على الوصول إلى الشيخ الفياض وسؤاله.

كان الشيخ الفياض في ذلك الوقت - كما قلت - واحداً من أفراد بعثة السيّد الخوئي قدّس سرّه، وبسبب كثرة العلماء في هذه البعثة فإنه من الطبيعي أن تُطرح المسائل العلمية، ويختلف الحاضرون فيها، وكان كل واحد منهم يدلي بدلوه، إلا أن الشيخ الفياض عادة ما يظل ساكتاً، لا يتكلّم بشيء إلا إذا سُئل، لقد عرفته لا يحب إبراز نفسه، ولا يتسابق مع غيره لإبداء علم أو فضل.

وبعد أن يصول هؤلاء ويجولون في هذه المسألة، وترتفع الأصوات، ويكثر الأخذ والرد، تهدأ أصواتهم إذا قال كل واحد منهم رأيه في المسألة، فيخوضون في مسألة أخرى، عندها أسأل الشيخ عن جواب هذه المسألة، فيجيبني بالجواب الشافي الذي أرى أنه هو الصحيح.

ودام الأمر على ذلك إلى أن توفي السيد الخوئي قدّس سرّه، وصارت أحداث العراق، وتبدّلت الأمور، وتغيّرت الأحوال، إلى أن سهل الله لي أمر الذهاب إلى النجف الأشرف في سنة 1416هـ، بغرض الاستقرار فيها للدرس، وكانت الدروس البارزة في ذلك الوقت في النجف الأشرف هي: درس السيّد السيستاني دام ظله، ودرس الشهيد السعيد الميرزا علي الغروي قدّس سرّه، ودرس الشيخ الفياض دام ظله، وغيرها من الدروس المعروفة.

وبعد أن حضرت جملة من الدروس رأيت أن ضالّتي المنشودة في الحضور في درس شيخنا الفياض فقهاً وأصولاً، فلازمت درسه الشريف إلى أن خرجت من النجف في أواخر سنة 1421هـ.

في خلال هذه المدّة صارت علاقتي بالشيخ الفياض أكثر من علاقة سائل ومجيب، أو علاقة تلميذ بأستاذه، بل توطّدت علاقتي به بدرجة أعظم من ذلك بكثير.

رأيت منه رعاية الأستاذ الحريص على تلاميذه، وحنوّ الأب الرحيم على أبنائه، وعطف الوالد الشفيق على أولاده.

رأيت فيه صفات عالية وأخلاق سامية قلما تجتمع في غيره، وهي كثيرة جداً، لا يسعني أن أذكرها في هذه العجالة، ولكني أذكر بعضاً منه.

فمن تلك الصفات التي رأيتها فيه:

 

1- علمه وتبحره:

رأيته عالماً، محققاً، متبحِّراً في الفقه والأصول، و كتاباته في الفقه والأصول تشهد له بتبحره، فقد كتب كتباً عديدة، منها:

1- محاضرات في أصول الفقه (5 أجزاء - مطبوع)، وهي تقريرات أستاذه المحقّق السيد الخوئي قدّس سرّه.

2- المباحث الأصولية: (15 مجلداً، طبع منه حتى الآن 14 مجلداً).

3- تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى (طبع منه 10 مجلدات).

4- البنوك: ذكر فيه حلولاً إسلامية للتعاملات البنكية المعروفة.

5- الأراضي: ذكر فيه أحكام الأراضي في الشريعة الإسلامية بصورة استدلالية، ولم أطلع على من خصَّص هذا الموضوع بكتاب مستقل قبل شيخنا الأستاذ.

وقد لاقت كتبه هذه قبولاً واسعاً في أوساط الحوزات العلمية، لما اشتملت عليه من تحقيق، وعمق، ودقّة، وصارت آراؤه محل اهتمام بعض مدرسي البحث الخارج في النجف الأشرف وقم المقدّسة في دروسهم وكتاباتهم. 

 

2- درسه:

كان درس شيخنا الأستاذ ولا سيما في الأصول الدرس الذي استقطب كثيراً من فضلاء طلبة العلم في الفترة التي حضرتها في النجف الأشرف، ولعلّي لا أكون مبالغاً إذا قلت: إن درسه في علم الأصول كان أهم الدروس في وقته؛ لأن أكثر مراجع النجف إما لم تكن لهم بحوث في الأصول، أو كانت دروسهم لا تقاس بدرسه.

وقد امتازت بحوث الشيخ الأستاذ في الفقه والأصول بالعمق، والترتيب، وحسن البيان، وقوة الاستدلال، كما يشهد بذلك كل من حضر بحثه الشريف.

وأما بعد سقوط النظام فإن درس الشيخ استقطب أكبر عدد من طلبة العلم، وصار درسه يبث مباشرة عبر موقعه في الإنترنت كل يوم.  

  

3- صلابته في الحق:

عرفت شيخنا الأستاذ بأنه لا يجامل أحداً في الحق، ولا يداهن الآخرين في بيان ما يرى أنه ينبغي له بيانه، وكان يقول: لا تقيّة في بيان الأحكام الشرعية.

وقد حدث مراراً بعد سقوط النظام البائد في العراق أن زاره بعض المسؤولين، فكان ينتقد كثيراً من سياساتهم التي أضرَّت بمصالح الشعب العراقي، ولم تخدمه في شيء، حتى قال بعضهم: سمعت أن الشيخ الفياض صريح في بيان آرائه، لكني لما التقيت به لم أتصوّر أنه صريح إلى هذه الدرجة.

وقد رأيت كثيراً من الصغار لا يعترفون بأخطائهم إذا أوقفتهم على أي خطأ لهم، سواء كان في المسائل العلمية أم في غيرها، وأما شيخنا الأستاذ فيسلّم بخطئه إذا تبيَّن له الخطأ، ويبدّل فتواه بحسب ما دلّ عليه الدليل الصحيح. 

   

4- حكمته ورجاحة عقله:

كان الشيخ الفياض دام ظله حكيماً، يضع الأمور في مواضعها الصحيحة، وكان راجح العقل جدًّا، ولم يكن يتصرَّف بغضب، أو بارتجالية، أو بعاطفة، وإنما يتصرّف التصرّف المناسب للمقام، بعد أن يزن الأمور، ويقلّبها جيداً، ليفعل ما هو الأصوب، ولم يكن يستنكف أن يستشير تلامذته في الأمور، حتى إذا أحكم الأمر فعل ما يقتضيه الموقف.

ومن دلائل حكمته أنه كان لا يرى مقاطعة الآخرين أسلوباً صحيحاً في التعامل وإن صدرت منهم المساوئ الكثيرة، بل كان يرى أن السلوك الأمثل هو إبقاء العلاقة مع هؤلاء، والتواصل معهم؛ ليتيسَّر له إسداء النصيحة، وإبداء الموعظة، والتنبيه على الأخطاء، والإرشاد إلى ما فيه المصلحة؛ فإن كل هذه الأمور لا تتيسّر عادة في حال القطيعة أو سوء العلاقة، ولهذا لم أر شيخنا الأستاذ في خلال هذه المدّة اتخذ موقفاً عدائيًّا مع غيره، وإن صدرت من ذلك الغير ما يستوجب عند البعض قطيعته والتحامل عليه. 

  

5- معرفته بعصره وأهل زمانه:

ربما يتراءى لمن يرى شيخنا الأستاذ لأول وهلة، أنه رجل قابع في زوايا النجف الأشرف، منعزل عن الدنيا، ومشغول ببحوث الفقه والأصول، وأنه لا يدري بما يدور حوله، سواء على صعيد الساحة العراقية أم الخارجية، ولكن إذا تحدّثت معه رأيته مطّلعاً على أحوال الناس، وعارفاً بما يجري من أحداث في الساحة الإسلامية وغيرها، وإذا تحدّث لك رأيته يتكلّم بفهم ومعرفة، وتراه يحلّل الأمور، ويكشف خباياها كما لو كان رجلاً متضلّعاً في السياسة.

 

6- تواضعه:

عُرف الشيخ الفياض بالتواضع الجم، بل اشتهر عنه ذلك، وعرفه عنه كل من لقيه.

وكان حتى بعد تصدّيه للمرجعية إذا زاره أحد في بيته، يفتح له الباب بنفسه، وكان يُحضر له الشاي ويقوم بواجب الضيافة، ولم يكن يعتمد على خادم، حتى أصرَّ عليه بعض محبّيه، وأشار عليه ألا يفتح الباب بنفسه، لكثرة الاغتيالات التي حصلت بالنجف في تلك الفترة، فاضطر إلى أن يستعين بخادم.

وأما تواضعه العلمي فإن الشيخ لا يستنكف أن يطرح آراء زملائه ومعاصريه كما يلاحظ ذلك من قرأ كتبه الفقهية والأصولية، ولا يقتصر على ذكر آراء أساتذته وجهابذة الفقه والأصول المتقدمين؛ لأن المهم عنده فيما يُطرح للمناقشة العلمية هو قوّة القول ودقّته بغض النظر عن قائله.

 

7- حلمه وصبره:

رأيته حليماً عندما يسيء إليه الآخرون، وصبوراً على ما يصيبه منهم، ولم أره طول السنين التي تشرَّفت فيها بمعرفته يحقد على أحد، أو يتكلّم على من أساء إليه، ولم أعرف عنه أنه أراد الإضرار بأحد، أو عمد إلى الإساءة إلى أحد، أو مقابلة إساءته بالإساءة.

وربما بلغ الشيخ أن بعضهم انتقصه، أو وقع فيه، أو قلّل من شأنه، فكان يسمع ذلك، ولا يعيره شيئاً من اهتمامه، ولا يجعل سماع ذلك سبباً للمقابلة بالمثل.   

وأذكر أني كنت مع سماحة الشيخ في أحد المطارات، وكان يريد السفر، فلما دخل المطار، أراد الموظف أن يسيء إلى الشيخ، وأن يفتّشه تفتيشاً شخصياً، فساءني ذلك، وقلت للموظف بغضب: هذا مرجع كبير، كيف تصنع معه ذلك؟ فقال لي الشيخ: (لا بأس، دعه يفعل ما يريد).

 

8- علاقته بالمراجع المعاصرين:

كثيراً ما سمعته دام ظله يشيد بالمراجع المعاصرين المعروفين، ويثني عليهم علماً، وتقوى وورعاً، بل كان يزور جملة منهم غير منتظر منهم ردّ الزيارة له.

وكم رأيته لما كنت في النجف الأشرف يزور السيد السيستاني دام ظله كل ليلة خميس، كما كان يزور غيره.

وقد حدث أن جمعاً حاشداً من مقلّديه قصدوا منزله في إحدى ليالي عيد الفطر، وانتظر الناس من الشيخ أن يعلن ثبوت العيد عنده أو عدم ثبوته، لكنه لم يفعل، فسأله شخص منهم بصوت عال: هل ثبت عندك العيد يا مولانا؟ فقال الشيخ: لقد ثبت عند المرجع الأعلى للطائفة السيد السيستاني أن غداً يوم عيد؟ فقال له الرجل: نحن نقلّدك، ولا نقلّد السيد السيستاني! فغضب الشيخ، وقال: إذا ثبت عند السيد السيستاني فهذا كافٍ...

وقد كانت مفاجأة للجميع أن يصف الشيخ الفياض السيد السيستاني بأنه المرجع الأعلى للطائفة!!   

 

9- أبوّته لأبناء الطائفة:

لقد رأيت فيه أباً رحيماً شفيقاً، يفيض من رعايته وشفقته وعنايته على طلابه ومعارفه وعلى جميع الشيعة، وقد أصابتني بعض المحن في العراق، فقام بما يقدر عليه كما لو كنت واحداً من أبنائه لصلبه.

ما رأيته يزجر طالباً، ولا يهين شخصاًً، ولا يحقّر من شأن شخص، وما رأيت أحداًً أهين في حضرته أو أسيء إليه بمرأى منه ومسمع فسكت.

وكم من مرّة كلمته بالهاتف، فكان يسألني عن حال زوجتي وأبنائي، وحال كل من يعرفهم من إخوتي وأصدقائي ومعارفي بأسمائهم واحداً واحداً.

وكم رأيته يحترق ألماً لما يصيب الشعب العراقي من الفقر، والألم، وقلة الخدمات الضرورية، وما يصيب الشيعة في كل مكان من التمييز الطائفي، والظلم، والقتل وغير ذلك.

هذا غيض من فيض، ولو أردت أن أبسط المقال في صفات شيخنا الأستاذ لطال بي المقام، ولكن في هذه الإلمامة السريعة كفاية.

أسأل الله تعالى أن يحفظ شيخنا الأستاذ، وأن يديم ظلّه وارفاً على رؤوس الشيعة، بمنّه ولطفه وكرمه، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.  

 

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
محب الشيخ
[ القاهرة ]: 26 / 2 / 2015م - 7:05 م
بصفتي أحد مريدي الشيخ و محبيه، انتظرت هذا المقال طويلاً و وددت أنه لم ينتهي.

أسأل الله أن يبارك لنا في سماحة الشيخ الأستاذ، وينفعنا بعلومه و يفتح عليه فتوح العارفين.
2
عبد الله محمد
26 / 2 / 2015م - 7:44 م
مقال جميل سطره يراعك أبا حسن، أدام الله ظل المرجع الفياض، وأيدكم وسدد خطاكم
3
أبو محمد
27 / 2 / 2015م - 9:26 ص
مقال جميل جداً
حفظ الله مراجعنا العظام