الشهيد الميرزا علي الغروي التبريزي
مرات العرض: «655» حفظ الصورة
سماحة المرجع الكبير آية الله العظمى الشهيد السعيد الميرزا علـي الغروي التبريزي (قُدِّسَ سِرُه)

ترجّم له العلامة السيد ضياء الخبّاز دام مؤيداً في كتابه دوحة من جنة الغري ذكر فيه حياة زعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره، وترجّم بالضمن مجموعة من أعلام تلامذته، ومنهم شيخنا الشهيد الغروي، وسننقل ما ذكره ونضيف عليه بعض الأمور بين معكوفين.

قال حفظه الله:

ولا تسلْ عن مَلِكِ البيانِ
" الغرويِ " شامخِ المعاني

مَن نقّحَ العروةَ في تنقيحهِ
وأُلهمَ البيانَ في شروحهِ

بيانُهُ كانَ بياناً ساحراً
وكانَ في الفقهِ خبيراً ماهراً

ودرْسُهُ مِن أفضلِ الدروسِ
يحيِ بهِ المَيْتَ من النفوسِ


وُلدَ في مدينة (تبريز) سنة : 1349 هـ، وفي السنة الثانية من عمره الشريف فقدَ المرحوم والده (الحاج أسد الله)، فنشأَ في كنف والدتهِ العلوية الجليلة، التي قامت بتربيته أحسن قيام، حتى شبَّ على حبِّ العلمِ والفضيلة.
[وينقل نجل المترجَم له العلامة الحجة الشيخ محمد تقي الغروي: أن والده (قدس سره) رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وآله (وذلك قبل توجهه لطلب العلم وكان صغيراً) وقد مدَّ إليه كأساً من الماء ليشرب فأخذه منه وشرب، فبعد أن سلك مسلك العلم وتقدّم فيه فهم مقصود الرؤيا وأن المقصود بالكأس هو العلم].

فبدأَ بتلقي مبادئ العلم في مسقط رأسه، وهو بعدُ في ربيعه السادس، ولما أتمَّ دراسة المقدمات وشطراً من السطوح، حدا بهِ الشوق نحو الحوزة العلمية المباركة في قم المقدسة، فأكمل دراسة السطوح العالية فيها، على يد المبرزين من أساتذتها، كسماحة آية الله العظمى، السيد أحمد الخونساري (قدس سره).

وبعد ذلك حضر أبحاث الخارج عند قطبي حوزة قم آنذاك، سماحة آية الله العظمى السيد حسين البروجردي، وسماحة آية الله العظمى السيد محمد الحجة الكوهكمري (قدهما)، وكانَ يقرر أبحاثَ الأخير منهما، ويعيد إلقاءها على بقية زملائه، وهو دون العشرين من العمر.

وبعد مضي سنواتٍ خمس قضاها بين أفياء هذين العلَمَين، حرّكه حبُهُ للعلم نحو حوزة العلم الكبرى (النجف الأشرف)، فألقى عصا الترحال فيها، مغترفاً من معين عمالقة أساتذتها، كالآيات العظام : الشيخ حسين الحلي، والشيخ الميرزا محمد باقر الزنجاني، والسيد الخوئي (قدس سرهم).
وقد اختصَّ بالأخير من هؤلاء العباقرة، ولازمَ أبحاثه الشريفة، واهتمَّ بها وقررها، حتى عُدَّ في طليعة تلامذته، كما عُدّت تقريراته التي طُبعت بإسم (التنقيح) من أفضل تقريرات أبحاث المحقق الخوئي (قدس سره) بل وأبحاث غيره أيضاً ؛ نظراً لما اتسمت به من الدقة والسلاسة في الآن نفسه.

وقد تحدثَ عنه وعنها نفس المحقق الخوئي (قدس سره) سنة 1377 هـ، فقال : " وبعد، فقد لاحظت هذه الأبحاث التي ضبطها جناب الفاضل، العلامة المحقق، ركن الإسلام، قرة عيني العزيز، الميرزا علي التبريزي الغروي (أدامَ الله فضله) من دروسنا الفقهية، التي ألقيناها على طلاّب الحوزة العلمية الفضلاء، شرحاً وافياً للعروة الوثقى، فوجدتها في غاية الضبط والإتقان، وقد أعجبني إحاطته بدقائقها، واستيعابه لحقائقها، ببيان بليغ رائع، واستقصاء جميل نافع، فلا غروَ فإنه ممن أصابَ ظني في مقدرته العلمية، وكفائتهِ الفكرية، وقد بلغ بحمد الله الدرجة العالية في كل ما حضره من أبحاثنا في الفقه والأصول والتفسير، وأنعش آمالي ببقاء نبراس العلم في مستقبل الأيام، فلم تذهب أتعابي على تقويم الحوزة العلمية سدى، بل أثمرت تلك الجهود بوجود أمثاله من العلماء العظام، وأينعت وآتت أُكلها كل حين، فللهِ تعالى دره فيما كتب ودقق وحقق، وأسأله (جلَّ شأنه) أن يأخذ بيده ليكون قدوة الأفاضل الكرام، وأحد المراجع في الأحكام "

وإلى جانب اشتغاله بحضور أبحاث الأساطين من أساتذته، واهتمامه بتقرير أبحاثهم الشريفة، كما تكشف عن ذلك قائمة مؤلفاته، بدأَ سنة 1379 هـ، بتدريس أبحاث الخارج في الفقه والأصول، وهو في بداية العقد الثالث من عمره المبارك، واستمرَّ في إلقاء أبحاثه العالية إلى آخر حياته الشريفة.

وقد تشرفتُ سنة 1415 هـ، عند زيارتي للنجف الأشرف، بحضور أبحاثه الشريفة على خارج المكاسب – طلباً للتبرك فقط – وكانَ يدور بحثه حول حرمة الكذب أولاً، ثم حول حرمة القيافة، فوجدتُ بحثه الشريف عامراً بالحضور، ولعلّه كان أكثر الأبحاث التي رأيتها هناك حضوراً وطلاباً، ولا زلتُ أتذكر سلاسة مطالبه، وسحر بيانه، حتى خُيّل لي حينها بأنه ببيانه يتصرف في عقول الحاضرين كما يشاء.
ولذا فإني لستُ أتعجب من الشهادة المنقولة في حقه – وهو دون العشرين من العمر – عن أستاذه السيد الحجة الكوهكمري (قدس سره)، حيث قال : " لا أدري أيهما أطوع للميرزا: الألفاظ ؟ أم الخاتم الذي يديره في إصبعه كيف يشاء ؟ ".

وكما رأيته في درسه بما وصفتُ، كذلك رأيته في سماحةِ أخلاقهِ وبهاءِ طلعتهِ وخشوعِ عبادتهِ قمةً من شوامخِ القمم، فلم أره إلا والبسمة الوادعة مرتسمة على شفتيه، وعلائم البُشر تعلو قسمات وجهه، مع وقارٍ وهيبةٍ وبهاءٍ، ويزدادُ هذا البهاءُ إشعاعاً وتألقاً، بعيد صلاة الفجر، حيثُ كانَ يمكثُ في الحرمِ العلويِ الشريف من قبلِ طلوعِ الفجر حتى طلوع الشمس، متهجداً وعابداً ومتضرعاً، في هيئةٍ تأخذُ بلُب الناظر إليها، فتخشع لها الروح، ويخضع لها القلب.

[وكان الشيخ رحمه الله شديد الالتزام بالعبادات المستحبّة، جاهداً على ترك المكروهات، موطِّناً نفسه على إقامة شعائر الله تعالى، وكان على رأسها زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في كل ليلة جمعة، وقراءة زيارة عاشوراء كلَّ يوم في مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام).]

[تلامذته: تتلمذ على يديه نخبة من الفضلاء في السطح العالي والبحث الخارج، نذكر منهم:
الشيخ علي المروّجي القزويني، السيد أحمد المددي، الشيخ محمد أمين المامقاني، السيد علي البغدادي، السيد محمد رضا التنكابوني، الشيخ عبد الحسين آل صادق، السيد محمد علي المروّج الجزائري، الشيخ علي آل محسن، الشيخ مهدي المصلي، الشيخ عبد المنعم المصلي، السيد محمد صادق الخرسان، الشيخ نجاح البغدادي، السيد صالح الخرسان]

[مؤلفاته: نذكر منها ما يلي:
-التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريرات دروس البحث الخارج في الفقه لأستاذه الأكبر السيّد الخوئي طُبع منه 17 مجلد: مجلد في التقليد وعشر مجلدات في الطهارة ومجلد في الصلاة، وخمس مجلدات في البيع والخيارات.
– موجز الفتاوى المستنبطة.
- مناسك الحج.
-تنقيح المكاسب، مجلدان في المكاسب المحرمة.

والمخطوطة: دورة أصول كاملة لعلها تقع في 6 مجلدات.
-تعليقة على الكفاية.
-الفتاوى المستنبطة.
-رسالة في الرضاع.
-رسالة في قاعدة اليد.
-رسالة في قاعدة التجاوز.
-رسائل مختلفة في الفقه والأصول.
-تسنيد الفتاوى المستنبطة وهو دورة فقهية استدلالية موسعة على رسالته العملية إلا أنها غير كاملة، كما أن الموجود منها في بعض الأبواب قد اقتصر فيه على ذكر كليات المسائل ورؤوس الأقلام ليبحثها بشكل واسع لاحقاً، ولو مدّ الله في عمره لكانت موسوعة فقهية كبيرة.
-دورة أصول كاملة من بحوث أستاذه الشيخ حسين الحلي قدس سره.
- دورة أصول كاملة من بحوث أستاذه الميرزا باقر الزنجاني قدس سره.]

[مرجعيته]
كما توسم فيهِ أستاذه الخوئي (قده) سنة 1380 هـ : أن يكونَ من مراجع الفتيا والأحكام في مستقبل الأيام، فقد رجعَ إليه جمهورٌ من المؤمنين بعد رحيل سماحة آية الله العظمى، السيد عبد الأعلى السبزواري (قده)، وازدادت رقعةُ مرجعيته توسعاً بعد رحيل سماحة آية الله العظمى، السيد محمد الروحاني (قده)، حيث رجعَ إليهِ بعضُ أكابرِ علماء مدينة القطيف المحروسة، فانتشر تقليده فيها، ولمع نجمه في سماء المرجعية كواحدٍ من أبرز فقهاء الشيعة ومراجعهم.
ولكنَّ مرجعيته المباركة لم تدم زمناً طويلاً، حيث فُجعَ العالم الشيعي برحيله شهيداً على يد طاغية العراق وجلاوزته، بعد أن أودت عشراتُ الطلقات النارية – التي مزقت جبينه المبارك – بحياته المباركة الزكية، وهو في طريق العودة من زيارة سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) – التي ألزمَ نفسه بها في كل ليلة جمعة – إلى النجف الأشرف، وكان ذلك في ليلة الجمعة، الموافق لتأريخ [الرابع] والعشرين من شهر صفر، سنة ألف وأربعمائة وتسعة عشر من الهجرة النبوية الشريفة.

وقد أبّنهُ عدةٌ من المراجع العظام، كان من بينهم : سماحة آية الله العظمى، الشيخ الميرزا جواد التبريزي (قده)، الذي جاء في تعزيتهِ لعلماء القطيف، قوله : " تلقينا ببالغ الأسف نبأ شهادة آية الله، المرجع الديني، الشيخ الميرزا علي الغروي (قدس سره الشريف) وجماعته (جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء)، وإنها لفاجعة عظيمة أصابت علماء الدين عامة، وعلماء بلدكم الكريم – الذي هو حصن من حصون المذهب – خاصة "

ومنهم : سماحة آية الله العظمى، الشيخ بشير النجفي (دامَ ظله)، الذي جاءَ في بيانه : " كان – رضوان الله عليه – عالماً جليلاً، ورعاً تقياً، مليئاً بحب أهل البيت (سلام الله عليهم)، وأفنى جزءاً كبيراً من عمره الشريف في الدرس والتدريس في الحوزة العلمية، وكانت علاقتي معه – وهي علاقة أخوة – أسمى من الزمالة التي عشناها في ظل سيدنا الأعظم أبو القاسم الخوئي، وقد تَوَّجَ شيخنا العزيز أعماله وجهوده وسيرته المليئة بالعطاء والعمل بالشهادة، وقتل مظلوماً، حيث مَزَّقَ جسده الشريف رصاصُ الغدر والخيانة، المليء بالحقد على كل مخلص للحوزة العلمية، فلحق بركب شهداء الفضيلة، رحمة الله عليه، وأسكنه في ظل رحمته، وجوار شهداء الإسلام "

رحم الله من يقرأ له ولجميع علمائنا الماضين سورة الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد.
السيد محمد رضا السيستاني